تتزايد التحركات داخل نقابة الصحفيين ومجلس النواب المصري لإحياء مشروع قانون يحظر الحبس في قضايا النشر، وسط مطالبات بتوفير حماية قانونية للصحفيين والحد من استخدام الحبس الاحتياطي والملاحقات القضائية بسبب عملهم، وفقًا لما أوردته رؤى رضا في تقرير نشره موقع «مدى مصر».
واجتمع نواب برلمانيون ومحامون وممثلون عن نقابة الصحفيين، يوم السبت، بمقر النقابة في القاهرة، خلال ندوة مفتوحة بعنوان «حرية الصحافة والحبس في جرائم النشر»، لمناقشة خطوات عملية للحد من استخدام الحبس ضد الصحفيين في القضايا المرتبطة بالنشر.
وأشار المشاركون إلى غياب آليات تضمن تطبيق الحماية الدستورية الصريحة التي تحظر هذه الممارسة، وهو ما دفع إلى صياغة مشروع قانون لمنع الحبس في جرائم النشر قبل نحو عقد من الزمن.
وفي محاولة لإحياء مشروع القانون المعطل، قال النائب عن حزب التجمع عاطف مغاوري لـ«مدى مصر» إنه بدأ، يوم الاثنين، جمع تأييد النواب للمشروع، مشيرًا إلى عزمه استكمال التحركات خلال الأسابيع المقبلة لضمان طرحه في الجلسة العامة لمجلس النواب.
وجاءت المناقشات في ظل استمرار حبس ستة صحفيين من منصة «متصدقش» المستقلة لتقصي الحقائق، بعدما ألقت السلطات القبض عليهم في وقت سابق من أكتوبر الجاري، ليرتفع عدد الصحفيين المحبوسين على خلفية عملهم إلى 26 صحفيًا.
وسلط المشاركون الضوء على المخاطر التي تواجه الصحفيين والمواطنين على حد سواء، في ظل اتساع نطاق الأسس القانونية التي تستند إليها السلطات في توقيف الصحفيين وملاحقتهم خلال السنوات الأخيرة.
ترسانة تشريعية توسع ملاحقة الصحفيين وتقيّد حرية النشر
حضر الندوة والد رسام الكاريكاتير والمترجم أشرف عمر، وتحدث عن استمرار حبس نجله منذ عام 2024 بسبب ممارسات تدخل، بحسب قوله، في إطار عمله الصحفي والتعبير عن رأيه.
وأضاف أن نجله، الذي أمضى قرابة عامين في الحبس الاحتياطي، يواجه حاليًا محاكمة بتهم تتعلق بالإرهاب. وأشار إلى تأجيل جلسة كانت مقررة خلال الأسبوع الجاري إلى ديسمبر المقبل.
ووصف المحامي نبيل الجندي قضية أشرف عمر بأنها نموذج لما يتعرض له الصحفيون بصورة متكررة عند ملاحقتهم قضائيًا بسبب عملهم.
وأوضح الجندي أن السلطات لا توجه إلى الصحفيين، في معظم قضايا النشر، اتهامات تتعلق مباشرة بمضمون المواد التي نشروها، بل تلجأ غالبًا إلى مجموعة من القوانين والتشريعات الأخرى التي تنتهي إلى حبسهم.
وقال نائب نقيب الصحفيين محمد عبد الحفيظ إن هذه «الترسانة التشريعية» التي تقيّد عمل الصحفيين اتسعت خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى صدور قانون مكافحة الإرهاب وقانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات منذ عام 2015، واستناد السلطات إليهما في مناسبات متعددة لتوجيه اتهامات وفرض عقوبات سالبة للحرية على خلفية أنشطة النشر.
وأضاف عمرو عبد الرحمن، رئيس وحدة الحريات المدنية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، قانون الاتصالات إلى هذه التشريعات، مشيرًا إلى أن أحد مواده يجرّم إساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي.
من جانبها، سلطت إيمان عوف، رئيسة لجنة الحريات بنقابة الصحفيين، الضوء على القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام، ولا سيما المادة 12 التي تلزم الصحفيين بالحصول على تصريح أمني قبل التصوير في الأماكن العامة.
وقالت عوف إن القيود التي تحظر التصوير في الأماكن العامة تُفرض على الصحفيين تحديدًا، مستشهدة بالدعوى القضائية التي رفعتها مؤخرًا شركة الصرف الصحي بمحافظة قنا ضد صحفي صوّر تجمعًا لمياه الصرف في أحد شوارع المحافظة.
وأرجعت عوف هذه الواقعة إلى «التوسع في فهم الأمن القومي»، موضحة أن معظم الإجراءات المتخذة ضد الصحفيين تُبرر بحجة حماية الأمن القومي، حتى عندما يكون التهديد المزعوم غير مباشر أو غير محدد.
وقال عبد الرحمن إن النهج الحالي في التعامل مع الصحفيين يتناقض بصورة واضحة مع الروح التي استندت إليها المادة 71 من دستور عام 2014، والتي صُممت لحماية الصحفيين أثناء ممارسة مهنتهم، وتحظر صراحة توقيع عقوبات سالبة للحرية في الجرائم التي تُرتكب بطريق النشر، باستثناء حالات التحريض على العنف أو التمييز.
وشدد عبد الرحمن على أن الحماية القانونية لا تتوقف عند النصوص المكتوبة، بل تتعلق بكيفية تطبيقها على أرض الواقع.
الحبس في قضايا النشر يمس حق المواطنين في المعرفة
أكد المشاركون أن ملاحقة الصحفيين بسبب عملهم لا تقتصر آثارها على الوسط الصحفي، بل تمتد إلى حق المواطنين والسياسيين في الوصول إلى المعلومات.
وشدد عدد من الحاضرين على أن إضعاف العمل الصحفي يضر بقدرة المجتمع على الاطلاع على المعلومات، ويحد من قدرة المسؤولين والنواب أنفسهم على أداء مهامهم.
وفي هذا السياق، أشارت سميرة الجزار، النائبة السابقة عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، إلى صعوبة أداء النواب مهامهم في ظل تراجع إمكانية الوصول إلى المعلومات، حتى فيما يتعلق بتشريعات رئيسية تقع ضمن مسؤولياتهم.
وضربت الجزار مثالًا بقانون إلغاء الإيجارات القديمة وقانون اللجوء الجديد، اللذين أُقرا خلال فترة عضويتها بمجلس النواب.
من جانبها، حذرت المحامية أسماء نعيم من التداعيات طويلة الأجل لملاحقة الصحفيين، مشيرة إلى أنها كانت من بين المحامين الذين تولوا الدفاع عن أمنية سويدان، التي صدر بحقها حكم بسبب منشور على فيسبوك تحدثت فيه عن وقائع إساءة معاملة النساء أثناء الولادة.
وأكدت نعيم ضرورة حماية الصحفيين من الحبس حتى يتمكنوا من أداء عملهم، موضحة أن الصحفي الذي يرتكب خطأ عليه تصحيحه، بينما يؤدي من ينشر معلومات صحيحة دوره المهني.
وقال خالد البلشي، نقيب الصحفيين، خلال مداخلة هاتفية في ندوة السبت، إن النقابة بدأت عام 2014 إعداد مشروع قانون يحظر الحبس في قضايا النشر، بهدف توفير ضمانات قانونية ملموسة لحماية الصحفيين.
ورغم عدم اتخاذ خطوات لإقرار المشروع آنذاك، أعادت لجنة التشريعات الصحفية والإعلامية بالنقابة إحياءه عام 2024.
وأشار عدد من المشاركين إلى أن تفعيل المبادرات التشريعية وتوفير غطاء قانوني أكثر فاعلية يمكن أن يساهما في تحسين بيئة العمل الصحفي.
وفي هذا الإطار، لفت البلشي إلى المبادرة التي تقودها النائبة عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي مها عبد الناصر لإقرار قانون لحرية تداول المعلومات.
كما دعا مغاوري إلى تفعيل القيود التي تستهدف الحد من التوسع في استخدام الحبس الاحتياطي، بموجب قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذي تأجل تطبيقه إلى أكتوبر 2027.
تحركات برلمانية لجمع التوقيعات ومخاوف من استمرار الحبس
قال مغاوري لـ«مدى مصر»، يوم الثلاثاء، إنه جمع نحو 75% من التوقيعات المطلوبة، والبالغ عددها 60 توقيعًا، لطرح مشروع القانون على مجلس النواب خلال الجلسة العامة التي عُقدت الاثنين، دون أن يحدد العدد الدقيق للتوقيعات التي حصل عليها حتى الآن.
وأضاف أنه سيستأنف تحركاته لحشد التأييد للمشروع خلال الأسابيع المقبلة، مع استئناف الجلسات العامة في نوفمبر.
وفي حديثه خلال ندوة السبت، أقر البلشي بحدود ما يمكن أن يحققه إصدار تشريع جديد يحظر الحبس في قضايا النشر، محذرًا من أن إقرار القانون، حتى لو تحقق، لن يؤدي بالضرورة إلى وقف الحبس فورًا.
لكنه شدد على أن أهمية التشريع تكمن في توفير أداة أساسية للدفاع عن الصحفيين الذين يحتاجون إلى الحماية، سواء عبر حملات المناصرة أو من خلال اللجوء إلى الوسائل القانونية.
وتعكس التحركات الأخيرة مساعي نقابة الصحفيين وعدد من النواب لإحياء مشروع القانون بعد سنوات من التعطيل، في وقت تتصاعد فيه المطالبات بتعزيز حرية الصحافة وضمان ألا تتحول الملاحقات القضائية إلى وسيلة لتقييد النشر والتعبير عن الرأي.
https://www.madamasr.com/en/2026/10/13/news/u/from-laws-pursuing-journalists-to-laws-protecting-them-parliamentary-move-to-ban-jail-sentences-for-publishing/

